أن يفقد الإنسان الأب ثم يفقد من بعده الأم ، أو يفقد الأخ ثم من بعده الأخت أو يفقد الصديق و من بعده
صديق آخر .. أو أي ابتلاء و من بعده ابتلاء مشابه لهو أمر عظيم ..
ولكن الأعظم هي تلك المشاعر المختبئة بالقلب .. وردات الفعل التي سيتخذها حيال ما يواجهه ..
ترى كيف ستكون مشاعر ذلك الإنسان الذي عاش مع إنسان آخر كل تقلبات المرض وأحس بالألم يجري
في عروقه وكأنها عروقه هو .. وتقطع قلبه لأنينه وكأنه أنينه هو .. وعاش معه لآخر رمق في الحياة
حتى انقضى نحبه أمام عينيه و ارتفعت تلك الروح الطيبة إلى باريها ..
وبقي من بعدها يقطعه الشوق ألماً للقياها.. داعياً المولى أن يجمعه بها في جنان النعيم ..
ثم يصيب الله إنسانا آخراً عزيزاً عليه بنفس ذلك المرض ..
ترى أي نوع من المشاعر هذه التي ستتولد بداخل تلك المضغة ؟
في الحقيقة قد لا تتولد سوى مشاعر اليقين و الرضا عن أفعال و أقدار الرب ..
فحينما ينظر الإنسان إلى الحياة بمنظور أعمق مما تبدو عليه .. سيستشعر حينها أنها : زينه !
كيف للخنساء رضي الله عنها أن تتبدل مشاعرها في فلذات أكبادها ..
كم جلست من السنون ترثي أخيها صخراً ؟
يذكرني طلـوع الشمس صخرا وأذكــره لـــكـــل غـــروب شـمــس
ولــولا كثـرة البــاكين حولـــي علــى إخــوانــهــم ، لقتــلت نفسـي
ولـكن لا أزال أرى عـجـــولا وبــاكيـــة تنــــوح ليـــــوم نـحــس
أراهـا والهـــا تـبــكـي أخـاها عـشيــة رزئــه ، أو غـــب أمــــس
ومــا يبكون مثل أخي ، ولكن أعــزي النـفــس عنـــه بـالتـأســـي
فــلا والله لا أنســاك ، حـتــى أفــارق مهجتــي ، ويـشـق رمسـي
فقـد ودعــت يـوم فـراق صخر أبـــي حســـان لذاتـــي ، وأنســـي
فيا لهفتـي عليه ، ولهـف أمــي أيصبح في الضريح ، وفيه يمسي
وكيف تغلغل الإيمان في قلبها لتنطق بلسانها بيقين تام حينما أتاها خبر استشهاد أبناءها الأربعة :
”الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته ”
وهل يقارن حب الأخ بحب الأبناء ؟ أي صبر و أي يقين هذا الذي أنزله الله عليها ؟
يا الله .. تغيرت تماماً وكأنها إنسان آخر !!
سبحانه .. كيف يغير الإيمان من الإنسان من تفكيره و اهتماماته ؟ حتى أحزانه و مشاعره فانه يغيرها !
ترى ما الذي يجعل المؤمنين في قصة أصحاب الأخدود لا يبالون ولا يخافون الموت؟
ويلقون أنفسهم في النار تاركين الدنيا .. غير راغبين الارتداد عن الإيمان بالله ؟؟
و ما الذي دفع الصحابة المهاجرون إلى ترك أوطانهم و الهجرة إلى مكان آخر وترك الاستقرار ؟
أي إيمان ذلك الذي تربّع في قلوب أصحاب الكهف حينما تركوا كل شيء في الدنيا و انعزلوا بإيمانهم الرب في كهف حقير ؟
لا شيء سوى أنهم اعتقدوا بما يجب علينا اعتقاده وهو : أن الحياة في الحقيقة هي الحياة الآخرة ..
هناك المستقر .. و هناك النعيم الأبدي ..
فالإيمان حينما يدخل إلى القلب يتغير تصور الإنسان عن الحياة .. فيعظم الله و يعظم شعائره..
و كلما دخلت الدنيا إلى قلوبنا و تعلقنا بها كلما خرج الإيمان من ذلك القلب فمن آثار التعلق بالدنيا
خسران الدنيا و الآخرة .. ولنا من قصة صاحب الجنة في سورة الكهف خير بُرهان ..
الأولى لنا أن نستشعر دائما حقيقة الدنيا .. فهي زينه ! زائلة !
ستتبدل وستذهب يوماً هي وكل ما فيها .. المفترض أن نتفكر و نتسآئل من الذي أنشئها؟
أليس المفترض أن نكون شاكرين لمن أنشئها؟ قلوبنا متوجهة إليه؟
فهذه الزينة التي وضعت في الأرض يجب علينا أن نعارض شهواتنا فيها ..
فالله عزوجل سيجعل كل ما على هذه الأرض صعيد معدوم .. كله تراب لا يصلح للناس العيش عليها ..
فتتبدل الأرض غير الأرض تكون جرداء قاحلة .. وكل الزينة التي كانت عليها ستزول ..
وعلينا أن نستشعر دائماً أن كل هذه الزينة هي اختبار و أننا إن تجاوزنا هذا الاختبار ونجحنا فيه
فسنفوز بجنات النعيم ..
فهل فتشنا في قلوبنا عن إيماننا باليوم الآخر؟ وفتشنا عن إيماننا بالله عزوجل؟
هل قلوبنا متيقنة بلقاء الله ؟ و هل نعمل بعمل المتيقنين بصفات كمال الله من شكر و توكل؟
(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) // (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا)
(فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً )
الذين امنوا زادهم الله هدى و إيمانا .. و الذين في قلوبهم مرض زادهم الله مرضاً ..
فكلما زدنا إيماناً زادت لدينا الأعمال الصالحة و أصبحت من صفاتنا ..
و لا يخطر لدينا التردد أبداً في العمل الصالح ويربط الله على قلوبنا و يقوينا أمام المغريات
و يغض أبصارنا أمام زينة الدنيا و مغرياتها ..
فهذه الدنيا التي تعلق القلب يوماً ما بها ستصبح لاشيء ..
فهذه الأشياء التي بثها الله في الحياة وجعلها زينه مزدهرة لا تجعلها عائق لك عن الآخرة ..
بل ستزول وستذهب و الأولى أن توقظ قلبنا وتثير الأسئلة في عقولنا : من الذي أنشأها ؟
الاثنين - المنتصف من رمضان 1432 هـ